أبي منصور الماتريدي

165

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : ذلِكَ . يعني - والله أعلم - : ذلك الضرب والقتل . بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ . أي : حاربوا الله ورسوله ، والمشاقة : الخلاف ؛ خالفوا الله ورسوله . وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ : له في الآخرة . وقوله : ذلِكُمْ . أي : ذلكم العقاب والعذاب . فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ . بالخلاف لله ورسوله ، والمحاربة معهم . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 15 إلى 19 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 ) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ . كان أول الأمر بالقتال وفرضه كان لبذل الأنفس للهلاك ؛ لأنه ذكر الزحف ، والزحف هو الجماعة والعدد « 1 » الذي لا يعد « 2 » ، وليس للواحد القيام للجماعة ، فكان فرض القتال لبذل الأنفس للقتل ؛ وعلى ذلك يخرج قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ الأنفال : 65 ] ، وليس في وسع الواحد القيام لعشرة إذا أحيط به ، ويجوز أن يفرض بذل الأنفس للقتال ؛ كقوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [ النساء : 66 ] ، أخبر أنه لو أمر بذلك لم يفعل إلا القليل منهم ، فجائز الأمر بذلك امتحانا منه لهم ، فإن احتمل ما ذكرنا كان قوله : كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ [ الأنفال : 6 ] هو على التحقيق ؛ إذ إلى ذلك يساقون . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن الله - عزّ وجل - أمر بذلك ليكون آية ، ويعرف كل أحد

--> ( 1 ) في أ : والعدو . ( 2 ) في أ : يجد .